الاثنين، 8 فبراير 2016

العلاقة بين الرياضيات والفيزياء


تطوّرت الرياضيّات بشكل كبير وتتطوّر سنة بعد سنة حتى أصبحنا اليوم في ‏عصر الرياضيّات النظريّة التي تبتكر ما يتخطى الواقع الفيزيائي. فهل تطوّرت ‏قوانين الطبيعة مثلما تطوّرت قوانين الرياضيّات؟ 
من يقرأ تاريخ العلوم كماعرضه الباحثون يكتشف كيف إنّ العلاقة بين الرياضيّات ‏والفيزياء هي أساسيّة بقدر ما هي مربكة وخطيرة وسريّة. لذلك سمّيناها "باللغز".‏ 
‏   يطرح علماء منهج العلوم أمرين متناقضين :‏ 
‏-1- منهم من يذكر إنّ تفسير قوانين الطبيعة – الفيزيائيّة على الأخص- لا علاقة له ‏بهذا التطوّر المستمر في الرياضيّات بشكل إستتباعي. بمعنى أوضح : ليس كل إبتكار ‏نظري في الرياضيّات له تطبيقات في مجال القوانين الفيزيائيّة الطبيعية.‏ 


‏-2- منهم من يذكر إنّ هذا التطوّر المستمر في الرياضيّات قد يسهّل تفسير قوانين ‏الطبيعة بشكل أقل تعقيداً مما هو عليه الوضع اليوم.‏ 
‏   نحن نعتمد الأمر الثاني, شرط الإنتباه إلى الإطار الخاص لكل مسألة بهدف عدم ‏الوقوع في بعض المحاذير, وأبرزها :‏ 
‏-أ- هناك بعض القوانين والقواعد في الرياضيّات لا علاقة لها بالواقع الفيزيائي مثل ‏بعض قواعد مجموعات كانتور ‏Cantor‏ (حصيلة جمع مجموعتين أو بعض ‏مجموعاته اللانهائيّة) أو مثل "الأعداد المعقّدة" أو المتخيّلة ‏Complex Numbers‏ ‏‎.‎‏ ‏ 
‏-ب- هناك معادلات رياضيّاتيّة نظريّة (أي معادلات تنتج من معادلات غيرها) ‏تتوصّل إلى قيمات مستحيلة فتضلل الواقع الفيزيائي وتفسّره بشكل غير ما هو عليه ‏في الواقع, أي بشكل غير طبيعي.‏ 
ماذا يستتبع ذلك؟ 
‏_ قد يؤدّي التبحّر المتمادي في ربط المعادلات الرياضيّاتيّة بعضها ببعض إلى ‏الخروج بمعادلات ورموز نظريّة تبحث عن واقع فيزيائي غير موجود وقد لا يمكن ‏أن ينوجد. بعض الأمثلة :‏ 
‏++ إنّ المعادلات الرياضيّاتيّة التي تفسّر "النظريّة النسبيّة العامة" لأينشتاين تستند ‏بالأساس على رموز رياضيّاتيّة مثل رمز‏‎  t(i , j)   ‎الذي قال عنه أحد أبرز مناصري ‏أفكار ‏‎ ‎أينشتاين البروفسور  ‏E.Zahar‏  من جامعة لندن بأنّه رمز "غير قابل لأيّ ‏تفسير فيزيائي. إنّه بمثابة وحدة رياضيّاتيّة بحتة تستعمل لتتناسب مع أهداف معيّنة ‏وهي خالية من أيّ معنى‎ ‎‏ فيزيائي" (من بحث مطوّل له بعنوان" لماذا تفوّق برنامج‎ ‎أينشتاين على برنامج لورنتس", ضمن كتاب جماعي بعنوان : " المنهج والتقييم في ‏العلوم الفيزيائيّة ", منشورات كمبريدج 1976 , ص 270 ).‏ 

‏++ الإعتراف الأخير للعالم البريطاني المقعد س.هوكينغ أمام أكثر من600 عالم ‏فضاء وفيزياء ورياضيّات (تمّوز 2004) عن خطأ نظريّة فيزيائيّة له قبل 30 سنة ‏‏(عن ان " الثقوب السوداء" هي بمثابة البوابات التي ستنقل الإنسان إلى زمن آخر أو ‏عالم مواز لعالمنا ) تمّ برهانها من خلال معادلات رياضيّاتيّة منطقيّة ومتماسكة أقنع ‏بها العلماء حينها ( أواسط السبعينات من القرن 20 ) . وها هو اليوم يعترف بخطأ ‏نظريته هذه إستناداً على معادلات رياضيّاتيّة غيرها لاشك انها ستكون منطقيّة ‏ومتماسكة ومقنعة للعلماء مثل سابقاتها.‏ 

‏_ قد يؤدّي التنظير الفيزيائي إلى إبتكار أساليب رياضيّاتيّة جديدة تطوّر الرياضيّات ‏أكثر مما ‏‎ ‎تطوّر الفيزياء. وهذا قد يؤدّي إلى تعديل بعض النظريّات الفيزيائيّة ‏المعتمدة. ‏ 
‏  هل أصبحت العلاقة بين الرياضيّات والفيزياء في الغرب تسير أكثر فأكثر بشكل ‏متباعد, بعدما كانت متلازمة طوال آلاف السنين؟ وهل هذا هو السّر الكبير في عدم ‏تخصيص جائزة نوبل في الرياضيّات كما في باقي العلوم التي تستند في معظمها على ‏معادلات رياضيّاتيّة؟ 

‏.... ان الطبيعة الفضائيّة بقيت كما هي منذ أيام الفينيقيين والبابليين والفراعنة وغيرها ‏من الحضارات, فهل نقحم كل ابتكار نظري جديد في الرياضيّات قسراً ضمن مجال ‏هذه الطبيعة البسيطة في وحدتها والمتنوّعة في لانهايتها؟

الكاتب :

0 التعليقات: